في غاليري الكوفة كنت في آخر زيارة لي الى لندن ، قد قدّمت سيمنارا متخّصصا عن العراق بجامعة اكسفورد صباح يوم الاثنين 19 سبتمبر الماضي 2005 ،وقد التقيت باصدقائي القدماء في كل من بودليان الجديدة وسانت انتوني ،
البدايات : الاسرة والتكوين ولد سيّار الجميل في مدينة الموصل بالعراق يوم 21/1/ 1952 ، وهو الابن البكر للاستاذ كوكب علي الجميل ( 1918 – 1968 ) القاضي الاديب ورجل القانون المعروف في العراق ( انظر ترجمته في تاريخ الاسرة ) .. ترعرع سيار الجميل وتّربى في ظل اسرة علمية معروفة وفي بيت ادب وثقافة معروف بنزعته واصوله العربية . وهو حفيد المصلح الاديب الشاعر علي الجميل ( 1889 – 1928 ) احد رجالات النهضة العربية ( انظر ترجمته في تاريخ الاسرة ) الذي ساهم في تأسيس المنتدى الادبي بالاستانة اثناء اقامته فيها للدراسة في الكلية الشاهانية رفقة عبد الكريم الخليل واحمد عزّت الاعظمي .. قضى سّيار الجميل طفولته في البيت القديم لاسرة آل الجميل الكائن في قلب مدينة الموصل القديمة منطقة حوش الخان .. ثم طاف في اماكن عدة من شمال العراق بحكم منصب والده . سّيار متزوج في ديسمبر 1988 وله : داليا ونصر ..
تكوينه ودراسته الاولى : درس سيار الجميل في طفولته بروضة الاطفال الرسمية ومدرسة ام المعونة للراهبات ومدارس اخرى بالموصل .. ويقال بأنه طفق يكتب وهو صغير ، وتعلّم الموسيقى وهو صغير ، وتنقّل مع عائلته في اقضية عدة من لواء الموصل سابقا فعاش في سنجار وفي دهوك والعمادية ، ولكردستان مكانة في قلبه ومشاعره ..
( انظر ايقونة حوارات ) - هل لك أن تحدثنا عن حياتك ودراستك ؟ بدأت حياتي في بيت كبير من بيوتات الموصل القديمة ، وكان يمتلىء بالكتب القديمة والجديدة ومنذ طفولتي في الخمسينيات من القرن الماضي وأنا اسمع كلاما رائعا في الادب والشعر والثقافة والفن .. كنت ارسم خطوطا على صفحات المجلات الاسبوعية والشهرية التي يزدحم بها الدار .. كنت أتعّلم في بيئة عائلة مثقفة ثقافة عليا .. اسمع لما تورده الاذاعات المختلفة ، واختلس الاوقات الثمينة لادخل مجلس اسبوعي يقيمه والدي – رحمه الله – وكان من ابرز رجال القانون في العراق ، والتقي بعشرات من الشخصيات العراقية والعربية وقد ورثنا الثقافة العربية عن جدّي لأبي الذي توفي في العام 1928 وكان شاعرا واديبا نهضويا معروفا ومثقفا بارعا واحد مؤسسي المنتدى الادبي في الاستانة في العام 1909 رفقة نخبة من الاحرار العرب ومنهم عبد الكريم الخليل واحمد عزت الاعظمي وزكي الخطيب وغيرهم وساهم في الحركة العربية في مطلع القرن العشرين .
الاسرة : اسرة عربية قديمة قطنت الموصل منذ زمن طويل وتنتمي الى رواسي قبيلة جبور الملحم الشهيرة ، وبينها وبين آل المسلط في الجزيرة الفراتية عمومة قريبة .. وبينها وبين آل جميل زاده ببغداد مصاهرة بعيدة .. ولم يزل ضريح ( جميل ) الجد الاعلى لأسرة آل الجميل الموصلية ، موجود على التّل بين الحسكة والقامشلي .. قرب جده الاكبر محمد امين ، ذلك التلّ الشهير الذي قاتل احفاد آل الملحم دفاعا عنه ضد الغزاة الطامعين .. والى زمن لا يربو على الاربعين سنة كان كل من الشيخ عبد العزيز المسلط والشيخ عبد الرحمن المسلط يعتّز بابناء عمومته من آل الجميل في الموصل ولهم مكانة كبيرة عندهم كأسرة معروفة استوطنت الموصل منذ نهاية القرن الثامن عشر ولهما علاقتهما بعميد اسرة آل الجميل الاستاذ القاضي كوكب علي الجميل رحمهم الله .. بل وان الشيخ عبد العزيز الذي احتفي به بالعراق عند نهاية الستينيات من القرن العشرين حرص على ان يلتقي بابناء عمومته . لقد توّطن آل الجميل في الموصل باعتبارها مركزا جغرافيا وقاعدة لبلاد الجزيرة في شمالي العراق .
انها تجربة ليست هينة أو بسيطة أبدا ، إنها صعبة ومعقدة ولا يمكن للإنسان أن يتصورها ان لم يحسها ويعشها ويتعامل مع كل دقائقها الصغيرة وخصوصا النفسية منها عندما يجد الكاتب نفسه وقد حوصر بمجموعة بالغة من التحديات الخفية .. ففي حين يتنفس خارج وطنه قليلا ، الا انه يبقى تفكيره محاصر بمجموعة هائلة من الأسئلة التي تتناهب مشاعره وأحاسيسه خصوصا اذا كان مرهف الحس وسريع التأثر ويمتلك قدرا من الأنفة والكبرياء والكرامة .. انه يسرع الخطى عشرات المرات كي يدرأ عن نفسه أية مواجهات صعبة .. كما ان السعي الذي يزيد تجربته غنى وثراء يتركز باتجاه إثبات الذات في أحسن صورها ليس لاعطاء المثل لمن في الداخل عن مدى العطاء الذي يتمتع به هو نفسه في الخارج ، بل لأنه يشعر بأن مهمته هنا مهمة مضاعفة في اكتناز الفرصة السانحة كي يقول : نعم هذه هي الثمرة التي عجزت عن تقديمها هناك ، ولكنني أقدمها لكم في أي مكان من الوجود ، كما ويطمح بأن يعطي لتجربته الانسانية التميز كونه نبتة تعيش وتثمر عندما تزرع في أي مناخ وفي أي تربة وفي أي طرف من الارض !
" اتمنى ان نواصل طريقنا في بناء جيل متحّضر " الراهبة اليزا ذكرى الطفولة الغضة : وعيت على الحياة ولم اتجاوز الثالثة من الحياة .. عندما وجدت نفسي ترافقني مربيتي من البيت العالي القديم انحدارا الى الشارع الرئيسي في منطقة الميدان بقلب مدينة الموصل القديمة عند السابعة صباحا لننتظر باص الروضة الخاصة التي كانت ولما تزل تسمّى بـ " أم المعونة " الواقعة في مكان كان في الخمسينيات من القرن الماضي عند مشارف مدينة الموصل الجنوبية وعند بداية محلة الدواسة الشهيرة .. كان الباص صغيرا من نوع الفولكس واكن ونحن ثلة بحدود العشرين من التلاميذ الصغار من بنات وبنين ، البنات يلبسن الصدريات ( ونسميها في الموصل : الدراعات ) الوردية والاولاد يلبسون الصدريات السماوية ..
بيتي الصغير يطل على كل الآفاق الغريبة الملبدة بالعواصف اسرعوا تعالوا عندي فالجميع بانتظاركم" ست مقبولة سأرجع بالقراء الاعزاء الى اكثر من اربعين سنة الى الوراء لأكتب قصة حقيقية عايشتها بكل جوارحي وانا لم اتجاوز السبع سنوات من العمر .. كان ذلك في شهر مارس 1959 بعد ان كنت قد حدثتكم في الحلقة الخاصة بالشيخ فائق الدبوني واحداث العام 1958 .. وسأتخذ اليوم من شخصية ظريفة وذكية مجالا كي اتحرك فيه في وصف ما علق في ذاكرتي الغضة وانا لم اتجاوز السبع سنوات من العمر ..
. ولد في الموصل / العراق العام 1952، ونشأ في اسرة علمية معروفة . . اكمل دراساته في الجامعات البريطانية : ردنك واكسفورد وسانت اندروس ونال دكتوراه الفلسفة ( التاريخ الحديث ) في العام 1982 . رئيس جمعية الصداقة العربية الاسكتلندية لدورتين انتخابيتين 1979 و 1980 . . عمل محاضرا واستاذا في جامعات عدة ، منها : وهران بالجزائر وتونس الاولى والموصل بالعراق واليرموك وآل البيت بالاردن وجامعة الامارات العربية المتحدة .. . استاذ زائر في جامعة كيل بالمانيا الغربية منذ العام 1987. ولوفان وانديانا . زار جامعات عدة منها ردنك واكسفورد وكيمبرج والسوربون وادنبرة ودندي وهامبورك ومونبلييه وتورنتو وفاس والجزائر والزقازيق وبغداد والمستنصرية والجامعة الأمريكية في بيروت . شارك في العديد من المؤتمرات الدولية والندوات العلمية في اماكن عدة في العالم .
" على كل مثقف في هذا الوجود ان يتأمل قليلا في افكار ابو العلاء المعري " عابر القارات ساقلب الصفحات هذا اليوم لاحدثكم عن شخصية غريبة الاطوار تعلمت منها الكثير ! ساحدثكم اليوم عن تاريخ انسان عمّر طويلا في هذا الوجود الصعب .. ولم يترك لنا غير ذكريات لا يعرفها اليوم أحدا سواي ! سأروي لكم اليوم بعض ما لم يسجله التاريخ لواحد خبر الحياة ليس بكل جزئياتها وتفصيلاتها ، وانما بكل رموزها وآفاقها الرحبة : فكرا وممارسة .. نظرية وتطبيقا ! ساكتب اليوم لكم عن مثل واحد من عشرات الامثلة من الرجالات التي انجبها تاريخنا العربي الحديث .. وهي رؤية تعكس بكل آمالها والامها قصة النهوض فجرا والسعي مع شروق الشمس جريا على الخيول قبل ان تكبو جميعا وينقطع الصهيل ووقع الحوافر على الارض !
" اننا نعيش كما اراد الله لنا ان نعيش .. " المراسل عمر مضى من الزمن على تأسيس الدولة العراقية والعرب تعرف الاكراد معرفة تعايشية وصلة وثيقة .. وهكذا مع التركمان وغيرهم .. مضى الزمن العراقي حتى العام 1958 ولم تعرف من هؤلاء الذين شاركونا حياتنا وتاريخنا واسلامنا ووجودنا واشتركوا في الدفاع عن حصوننا ومدننا وتخومنا .. فضلا عن فضل زعاماتهم القديمة وادوار مثقفيهم وشعرائهم وعلمائهم وفقهائهم ..