| الهوية واسئلة صريحة على اجوبة مثيرة |
| أ. د. سيّار الجَميل |
| الخميس 17/05/2012 |
اولا : من نحن .. من نكون ؟؟ ان العراقيين من الدارسين والعلماء العراقيين قد كتبوا الكثير عن العراق ، ولكنهم لم يكتبوا كثيرا عن العراقيين . ان محاولات ناجحة لبعضهم ، عدت عملة صعبة عند العراقيين كونهم لم يجدوا أحدا يقرأهم قراءة معمقة . لقد تأسست المعرفة الاكاديمية العراقية منذ اكثر من ستين عاما ، ولكن ما حصيلتها العلمية بعد هذا العمر الطويل ؟ ربما مرّ العراق بظروف قاسية سياسية وأمنية واستخباراتية منعت علماء الاجتماع والتاريخ والانثربولوجيا من بحث المجتمع العراقي بكل حرية وعمق ، فلم تظهر لنا حقائق ، ولم تزخر الثقافة العراقية بنتائج واعمال .. بل وغابت موضوعات اساسية لمعرفة هذا المجتمع ، والبحث عن هويته التي كان ينكّل بها يوما بعد آخر ليس من قبل السلطات ، بل حتى من مراجع واعيان وشيوخ يمثلون اطياف المجتمع .. بل وبلغ الامر ان يستهان بموضوع " الهوية " من السلطة والمجتمع معا على حساب الانقسامات البيئية المحلية ، او العشائرية والترييف ، او التمزقات القومية جراء الشوفينية البليدة لكي ينتهي الامر بالتشظيات الطائفية البغيضة .. من يتوغل برا ونهرا ، ويمتد في كل أصقاع العراقيين ، ويتدارس ثقافاتهم المتنوعة بل ولم يجد من المؤرخين وعلماء الاجتماع ، وما اكثرهم في العراق ، من يفلسف تكوين العراق الاجتماعي الحديث ، ولم نجد من حلل تراكيب العراقيين الصعبة على احسن ما يكون ، ونجدهم اليوم يستشهدون دوما بعمل المؤرخ المستعرب الاميركي حنا بطاطو كونه درس الطبقات الاجتماعية في العراق دراسة وثائقية ، وخبر ادوار المسؤولين العراقيين السابقين ، ولكن خانه انعدام معرفته العميقة بالعراق والعراقيين . هكذا ، بقي المؤرخون يجترون الاحداث والوقائع ويعيدون كتابة التراجم ويتسامرون على امجاد القبائل والعشائر والعوائل ، او صبغ التاريخ العراقي بصبغات ايديولوجية ، او اسقاط المشاعر السياسية ، في حين بقيت العلوم الاجتماعية في العراق تعيش مشكلات عدة بل وتنتقل من أزمة الى اخرى ، وعلى رأس تلك المشاكل مشكلة " الهوية " ، اذ اختلطت المفاهيم والاجابات على سؤال بقي يطرح نفسه منذ تشكيل الدولة العراقية عام 1921 وحتى يومنا هذا .. سؤال يقول : من نحن ؟ ومن نكون ؟ ولعل السياسة والسلطة من اكبر العوامل التي اضرّت بالمعرفة العراقية ، ناهيكم عن انهيار اساليب التعليم والحداثة مع جملة انهيارات بدأت مع اصدار قوانين مجحفة بحق التعليم منذ تغيرً نظام الحكم الملكي عام ١٩٥٨ ، وكلنا يعلم مأساة " الزحف " الذي منح جملة كبيرة من الفاشلين والاغبياء شهادات لا يستحقونها ابدا .. وصولا الى زمن عراقي كسيح منح الحق لغير المتفوقين الدخول في كليات وجامعات ممتازة تحت واجهات سياسية وانتماءات حزبية واكذوبات نضالية وكرامات رئاسية .. ان الانهيارات قد طالت التربية في المدارس ، فاثرً ذلك على مستوى التعليم في الجامعات حتى غدت الجامعات مجرد مدارس بدائية ، بل ان بعض الثانويات عدّت أرقى من جامعات بعينها . ان وقوع المعرفة والعلوم العراقية تحت وطأة السلطة وأنظمة الحكم ودخول متحزبين الى مرافق علمية ليصبحوا اعضاء ضمن الهيئات العلمية في الأقسام قد اضرً بالعراق والعراقيين ضررا كبيرا وباتت البعثات الى الخارج منحصرة بالمنتظمين حزبيا ، ولم يعد العراق يشهد ولادة مبدعين ومبدعات في العلوم الانسانية والاجتماعية ، وفي الفكر ، وقتلت المواهب ، ولم يعد التفكير يمتلك أية مساحة من الحريات. لم يفكر احد بالمعرفة الحقيقية بل شغلهم النضال في الأوكار ، او التصفيق والتهريج في الشوارع ، او المباراة المصطنعة في مهرجانات الشعر الشعبي ، او الجلسات التافهة في المقاهي والكازينوهات او حتى المكاتب .. او الحلقات البليدة في الجوامع والحسينيات .
ثانيا : معنى الهوية العراقية 1/ اجوبة على تساؤلات المتعارف عليه الهوية سمة اجتماعية لا سياسية، وهي لا تتوالد من فراغ ولا تختفي بسرعة ابدا مهما حاول المشككون والحاقدون والكارهون والانفصاليون والطائفيون والمنافقون وكل الطوابير الخامسة والسادسة وما اكثرها في العراق من اغتيالها او تشويه سمعتها . ان الهوية لا تتغيرً في يوم وليلة ، ولا تضمحل الا بعد تفاعل عوامل قاهرة او متجذرة او تاريخية . ان الهوية عنوان مجتمع ، كما هو اللقب عنوان أي فرد من الافراد. ان الهوية ليست غطاء او حجابا كما يريد البعض ان يسوق ذلك اليوم .. قد يكون الغطاء دينا ، او الحجاب مذهبا ، او عرقا ، ولكن ان اجتمعت كلها في مكان او بلد او بيئة ، فان " الوطن " يسبقها كلها ، فالوطن يسبق الجميع . الوطن هو الارض ، والوطن هو الأقدم في التاريخ ، والوطن هو البيت الجغرافي ، والوطن هو المنتج للإنسان ، وهو الذي يحتويه في حياته ومماته . الوطن هو المصير وهو الوجود الذي يشكل أي اختفاء له من الذاكرة شرذمة للمجتمع بذاته . الهوية هي الوحيدة التي تعبر عن معنى الوطن وقيمة الانسان في وطنه لا في اي شيء اخر . ان استبيح الوطن ماتت هوية الانسان فيه ، وان تسلط حاكم ، او حزب ، او عصابة وبدأ تسويق لون واحد من الالوان على حساب الهوية ، ماتت الهوية . وان استفحلت التعصبات والتحزبات ماتت الهوية ، وان شغلت العواطف بالاخرين من السابقين او اللاحقين ماتت الهوية ، وان افتقد التجانس او التعايش ماتت الهوية وان تمادت البيئات المتخلفة وسيطرت على المجموعات المتحضرة ماتت الهوية . ان الهوية لا تباع ولا تشرى ، فمن يحملها ينبغي ان يكون صاحبها الحقيقي ، اذ لا ينفع ان تتشدق بها وعواطفك مع الاخر . الهوية لا يمكن ان تكون حقيقة عند من يغير اسمه او لقبه ، فكيف اذا وجد نفسه متسلطا على العراق والعراقيين في ساعة سيئة الاقدار . لا يمكن ان تسوق بضاعة الاخرين لتشوه الهوية الوطنية ، ولا يمكنك ان تحظر على الأغلبية هويتهم ، ولا يمكن ان تحتكر الهوية لتشوهها في ظل اي سلطة تمتلكها .. 2/ المعاني الحقيقية : اجوبة بلا تساؤلات الهوية العراقية تكاد اليوم مفتقدة بفعل ما جرى في العراق منذ اكثر من خمسين سنة ، فالأجيال القديمة كانت اكثر اعتزازا بالعراق واكثر التصاقا بالعراقيين ، بعضهم البعض الاخر . وعليه ، فان الهوية ليست مجرد غطاء للراس ، ولا مجرد اغنية عابرة ، ولا مجرد قافلة تمتد في صحراء خاوية ! انهم اليوم يستخفون بالهوية العراقية على حساب هوياتهم التي يؤمنون بها . ان الهوية جلد سميك لأي جسد ، وأي جسد لا يمكنه ان يعيش من دون جلد يحميه .. انها الهوية التي اكاد اشبهها بفروة رأس ، اذ لا يمكن للجمجمة ان تقاوم الطبيعة وافاتها ان لم تكسوها تلك الفروة السميكة . الهوية العراقية ليست مجرد شراكة لطبخة عراقية معينة ، او لبس دشداشة متسخة ! او جلسة ينوح بها الجلساء ! انها ليست مجموعة عبارات يشتم بها احدهم الاخر ! ولا شراكة نسوة تغتاب احداهن الاخرى عند عتبات دورهن .. كما انها ليست مجرد شعارات يصرخ بها متظاهرون في شوارع ، او اغنيات مزيفة تردد ببغاويا وحدة وطن او اخوة كاذبة وهربجي كرد وعرب .. او مجرد رموز مصطنعة عن نضال مزّيف ! انها ليست قشور بصل لا تعرف واحدتها ما حدث للأخرى من فساد ! انها تعبير روحي عن انسجام اجتماعي ومواطنة راسخة ووعي في التفكير وفهم كل عراقي للعراقي الاخر ومشاركته افراحه واتراحه ، قضاياه ومعاناته .. الامه وامانيه .. انها رسوخ في الذهن لا علاقة له بالسياسات او المذاهب او الاديان او الاعراق .. انها مفاهيم عراقية تربوية مشتركة تعنى بقيمة الارض وما عليها .. انها تكوين يستمد سلاسله من تاريخ بلاد معروفة لكل الدنيا .. انها مرآة ثقافة يشترك بها الجميع برغم كل تبايناتهم العرقية والدينية والسوسيولوجية والفكرية والسياسية . ولا يمكن ان يكون للهوية ثنائية من هويتين او اكثر في بلاد معينة ، بل ولا يمكن ان تسحق الهوية العراقية بما يناقضها من هويات اخرى تريد اكل الهوية الاصلية التي يتطلع العالم لمعرفتها ممن يحملها ! فكيف اذا سئل من يحمل الجنسية العراقية في أي مكان : من أي وطن انت ؟ يلتفت اليهم ليقول لهم بأنه : تركي او ايراني او كردي او اشوري .. اذ يخفي عراقيته عن قصد وسبق اصرار ! واعتقد ان هذه ليست مجرد قضية عابرة ، بل انها محنة تاريخية يمر بها العراقيون كلهم ، ما دام هناك طوابير من العراقيين كهؤلاء ربما يعشقون العراق ، ولكنهم لا يطيقون العراقيين ! ان معاناة العراقيين من بعضهم الاخر يكاد يكون كبيرا اليوم ، فان كانوا سابقا يسكتون على آلامهم التي يسببها بعضهم للبعض ، ويظهرون عكس ما يبطنون ، فاليوم بان كل شيء واضحا في زمن اختفاء سلطة القمع ، بل ويبدو ان تصفية حسابات تجري اليوم لما يسمى بالمكبوت الماضوي او المسكوت عنه للضرورة .
ثالثا : العراقيون : من التعايش الى التشظي لقد تشظّت الروح العراقية التي لم تكن منسجمة في يوم من الايام نتيجة لتباينات معقدة . وعليه فان الهوية اما تبدو محتكرة عند جماعات ، او تبدو مبهمة عند جماعات اخرى ، او غائبة عند آخرين وكثيرا ما نجدها متمزقة ، او مهشمة ، او مستعرضة عند عراقيين ( يسمون انفسهم بمثقفين ) . ولعل اخطر ما وجدناه على امتداد خمسين سنة مضت : هوية مزيفة عند سياسيين قرنوا الهوية والأيديولوجية في مرحلة تاريخية ، او " اذا قال القائد الضرورة قال العراق " ، او البسوها لباسا مذهبيا او طائفيا في مرحلة تاريخية اخرى . ان غيبوبة الهوية العراقية تبدو واضحة تمام الوضوح عندما تتقدم المحليات جغرافيا ، او تتعرّى التباينات الاجتماعية تاريخيا ، فكان ان انتجت صراعات في المستويات ، او كراهية المّت بها كل الطبقات، وهي امراض متوارثة منذ القدم ، ولم يستطع معالجتها لا المسؤولون في الدولة ولا اصحاب النفوذ في المجتمع أبدا . ثمة من كان ولم يزل عشقه للعراق والعراقيين كبيرا بدرجة او اخرى ، ولكن الدولة لم تنضج مؤسساتها على أسس سليمة ، اذ بقيت الفوارق اكبر مما نتخيل ، بل وان المصالح الفئوية او الطبقية هي المتقدمة دوما على المصالح الاجتماعية الموحدة ، بل ان الصراعات الاجتماعية كانت تستفحل مع توالي الايام والازمان وبدا واضحا ان ما كان يعد وباء كالعشائرية مثلا غدت تأخذ لها سمات راسخة ، وان الذي كان يعد آفة ومرضا كالطائفية وصل ليكرس دستوريا وسياسيا واعلاميا في البلاد . لقد كان التعصّب للأفكار والسياسات قد انتقل ليكون اكثر تزمتا ، واعمق تشددا ، بل أمسى عصائبية مرضية في الأيديولوجيات والأحزاب وثخنت الجراحات عند وصول التعصب والعصائبية للدين والمذهب والطائفة بشكل لا يصدق ! ولما كانت القومية قد غدت شوفينية مقيتة ، راحت القوميات تأكل بعضها بعضا على حساب ما يسمى بالهوية العراقية التي لم تحتفظ بخصالها الا عند فئات قليلة وشاحبة تعيش معاناتها وآلامها بشكل لا يطاق . نحن العراقيين لا نعيش أزمة هوية يمكن حلها بسهولة بل نعيش فراغا مزمنا قاتلا لا يمكن ان تأتي حلوله بسرعة في فضاءات انقسامية ، او من خلال دكتاتوريات تسلطية ، او حكومات فردية ، او من خلال مقالات صحفية . ان الأجواء ملبدة دوما بالخوف. الأجيال دوما تسجن في صفوف مدرسية ، او تنصت لأصوات شاذة تتعلم ثقافة التخلف وأوبئة الماضويات العقيمة . البيوت معدومة من ثقافة عراقية عن هوية موحدة تنشد الانسجام ، مع طغيان المحليات القاتلة . ان الاطفال في كل مرحلة من المراحل يصفقون بجنون لهذا مرة ولذلك مرة اخرى ويعلقون على صدورهم صورة هذا الحاكم ، او ذاك الزعيم ولا يسمعون شيئا عن المعاني الحقيقية والرمزية للعراق . من يمتلك هوية عراقية لا يعرف قاموسه التمييز ، ولا تعرف تربيته الكراهية ، ولا تعرف روحه الا المشاركة .. تجدهم جميعا وقلوبهم شتى عندما يطغى التعصب لا تجد صاحبه الا كاذبا مهما اعلن من شعارات الوطن واستعرض امجاده الوطنية وادعّى حبه للعراق او عشقه الكاذب للعراقيين . رابعا : ماذا نفعل ؟ مستقبل محفوف بالمخاطر مع غيبوية الانسجام ان مستقبل العراقيين محفوف بالمخاطر ، فالعراق يصعب جدا تقسيمه جغرافيا ، ويستعصي تفكيكه تاريخيا ويستحيل تمزيقه إقليميا ، فالمشكلة ليست في العراق أبدا بل المعضلة في اهله الذين تعايشوا طويلا ، ولكنهم لم ينسجموا في يوم من الايام مع بعضهم الاخر . ان الانسجام شيء وان التعايش شيء اخر . ولعل العراقيين اخصب شعب في اعتزازهم بأنفسهم متفرقين ، ومن اكثر الشعوب إيثارا لهوياتهم لا لهويتهم وربما كانت فصائل وعشائر وقبائل منهم اكثر الناس اخذهم للثأر والثارات ويحتفظون بذلك لسنوات طوال حتى يحققوا ثاراتهم ليكونوا من اكثر الناس تشفيا بنيل ما يضمرون عليه او يصممّون عليه دون اي رادع بل وان القسوة تغلب على اي منحى انساني عندهم ، وان اعتزازهم بأنفسهم فرادى اكبر من اعتزازهم بأنفسهم كهيئة اجتماعية موحدة . الدخلاء والوافدون والمهاجرون واللاجئون كثر على امتداد التاريخ نحو العراق وبنفس قدرة العراق كونه بلدا جاذبا كان ولم يزل بلدا طاردا . وقد كان كل من تاريخه وجغرافيته وبالا عليهم كمجتمع . نعم ، اكرر ان العراق جاذب للآخرين ، ولكنه يعتبر بنفس الوقت طارد لأبنائه . ان ابناء الداخل يكرهون ابناء الشتات كما تتوضح احاديث كل من يزور العراق ويعود مهموما . ولكن بنفس الوقت اقول بأن عشق العراقيين قد يكون حقيقة للعراق ولكن ليس للعراقيين .. هوية المدينة غير هوية الريف ، وهوية البلدات الصغيرة غير هوية القرى المحتقرة .. هوية البوادي هي غير هوية ضفاف الأنهار.. هوية العشيرة غير هوية العائلة ..هوية الحضر غير هوية القرويين .. هوية العاصمة غير هوية المدن الكبيرة الاخرى في المحافظات .. هوية الأقليات هي غير هوية الاكثريات .. هوية الطوائف غير هوية القوميات ، فكيف يا ترى اذا اجتمعت الطائفة مع القومية او الأعراق ؟؟ هوية المنسحقين غير هوية الأعيان القدماء .. تناقضات الهوية تحول دون اي تقدم او خلق اي حيز في مجال التقدم . المشكلة ان العراقي لا يمكنه ان يفهم العراقي الاخر فيتجاهله او يهمشه او يحتقره او يغيبه .. وان خاصمه ، فاسهل وسيلة في نزاعه تشويه سمعته ! انك لم تستطع ان تجمع خمسة عراقيين على فكرة واحدة من دون ان يختلفوا ويتصايحوا ويتشاتموا . ان العراقي لا يمكنه ان يعلن ما يخفي او يكبت او يضمر او ينسى .. ان اهم ما يمكن عمله من اجل بلورة هوية عراقية وطنية لا يعلوها أي هدف ، العمل على ان يكون مشروع الهوية العراقية مشروعا وطنيا ، وان يتضمنه الدستور ، وان يغرس هذا المبدأ عند الاطفال العراقيين وان يؤمنوا بأنه الاساس الذي يمكنهم به الانطلاق الى العالم بعيدا عن هويات مدمرة اخرى . للموضوع صلة
نشرت في صحيفة المدى ببغداد ، على حلقتين اثنتين بتاريخ 22 – 23 ابريل / نيسان 2012 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل www.sayyaraljamil.com
|
|
| وباءٌ يجتاح الزمن العربي |
| أ. د. سيّار الجَميل |
| الأربعاء 09/05/2012 |
الواقعية ليست غطاء للخطيئة، فإن كان الواقع موبوءاً فينبغي تغييره بأي ثمن، ولا تغيير بلا حلم، ولا ثورة من دون تعارض، ولا تقدّم من دون نقد وحوار، ولا ديمقراطية بوجود رعاع، وقد جمعتني قبل أيام مناسبة، كنت أتمنى أن نخرج منها كما كنّا في الماضي، مستمتعين بمزيد من الأفكار، وثمار حوار نقدي ممتع، ولكنني صدمت بما سمعته من أصدقاء أعزاء قدماء، ما كنت أظن يوما أنهم سينحدرون انحداراً بائسا في مثل هذا الزمن الصعب، نحو مستنقع طائفي آسن. إنهم يتكلمون باسم الواقع والواقعية، بهدف تكريس الخطايا التي تعمّ حياتنا، بل ويتخذون من هذا تبريرا لما يعجّ به واقعنا من تمزقات طائفية، لم يعهدها أبدا وجودنا السياسي والاجتماعي والثقافي من قبل، إنهم يدركون جيدا حجم الفوضى التي تجتاح حياتنا العربية، ولكنهم يدافعون عن كارثة انقسامية قائمة بذاتها، من أجل الإبقاء على حكومة طائفية هنا، أو سلطة طائفية هناك، أو تلميع أحزاب وقوى طائفية تعمل من أجل إبقاء الانقسامات وتأجيج الصراعات، والحل عندهم أن ينقسم العراق ثلاثة أجزاء، وأن تبقى معاناة السوريين إلى أبد الآبدين، وأن يتشظى لبنان كما كان، وهكذا تهترئ مصر، ويلتهب اليمن ويتفجّر الخليج، لا سمح الله! وجدتهم قد احترفوا الكراهية وتوارثوا الأحقاد، ويمقتون البلاد العربية التي احتوتهم ومنحتهم البيوت والرواتب والعيش الكريم. وجدتهم يتهمون كل من يخالفهم بشتى التهم، كون ذاك الغير معارضا لطائفية أو جهوية أو سياسات تشرذم واحتلال. لقد أصبحت الطائفية وباء هذا العصر العربي، بحيث تجدها وقد وصلت إلى البيوت فدمرّت زيجات، وحطمّت أنسباء، وقطعّت أواصر علاقات، وفرقّت بين الأصدقاء والأخلاء. الطائفية مرض قاتل يجتاح مجتمعاتنا جراء سياسات، ونظم، وإعلام، ودعايات، وتصدير خطب ومؤدلجات، وخصوصا نحو مجتمعات مثل سوريا والعراق ولبنان والبحرين ومصر، وهي تتباين من هذا البلد إلى ذاك. والطائفية داء وبيل، بدأ فعله من خلال إجراءات سلطوية تسلطية وسياسات دينية أيديولوجية، وهي تتوالد وتنتشر جراء أفعال وردود أفعال عنيفة، مارستها أحزاب وقوى وميليشيات، وجدت في أحضان هذه الدولة الدينية أو تلك الإمبراطورية المذهبية. الطائفية لم يكن لها وجود قبل خمسين سنة من اليوم، بحيث لم يكن المرء يسأل الآخر عن طائفته أبدا، بل ومن المعيب أن يتشدّق الإنسان بها، أما اليوم، فقد غدت ظاهرة بدائية يتبارى فيها المثقفون قبل السياسيين، ويتفنّن في أدائها حتى من عدّ نفسه من ذوي الاختصاص! الطائفية كانت حالة مسكوتا عنها، لأنها حالة شاذة غريبة عن المعاصرة وحياة العصر، ولكنها باتت اليوم معلنة ومفضوحة، وربما يعبّر عنها بأساليب ماكرة وخبيثة، بل ويتهّم حتى من ينتقدها كونه من الطائفيين! لا أفهم كيف يؤمن بالطائفة أي مثقف يحترم نفسه، ولا أدري لماذا تفجّر هذا المكبوت لديه في مثل هذا الزمن؟ ولا كيف يخفي المرء نفسه سنين طوالا وراء حجب مستترة، ويأتي اليوم كي يدافع عن طائفة معينة أو مذهب ينتمي إليه؟ لا أدري كيف يدافع «مثقف» عن طائفة دينية، وهو لا يصلي ولا يصوم، بل ويدّعي إيمانه بمنطق العصر؟ لا أدري كيف يقبل مثل هذا الإنسان يهوديا، أو مسيحيا، أو بوذيا، أو مجوسيا.. ولكنه يكره مسلما من طائفة أخرى كراهية عمياء؟ لا أدري كيف أن يساريا أو شيوعيا أو تقدميا صرف حياته في النضال وقرأ الديالكتيك، وهو اليوم يصفق لدستور طائفي أو سلطة طائفية أو حزب طائفي؟ لا أدري كيف يتشدق ملحد بأفكاره البائسة وهو يحقد على غير طائفته حقدا دفينا؟ لا أدري كيف يدعو أمثال هؤلاء إلى المشاركة والتعايش، وهم يحملون في أعماقهم كراهية لا يمكن تخيلها لأبناء وطن واحد؟ لا أدري كيف يستحضر الطائفيون ذاكرتهم التاريخية المريرة، وتعيش معهم أحداث وشخوص عفا عليها الزمن ليجعلوها أدوات جاهزة لهذا العصر؟ لا ادري كيف يتغلّب عندهم التاريخ المأساوي والسلبي على التفكير المعاصر وايجابيات التاريخ؟ ولا أدري كيف يؤمنون بالديمقراطية، حسب زعمهم، وهم يوالون، بل ويخضعون مراجع دينية هنا أو هناك؟! إنهم غير قاصري الفهم، ولكنهم أصحاب أفق ضيق جدا. إن معاناتنا اليوم ليست مع الفوضويين والمفضوحين والطلقاء، ولكنها مع الطائفيين والخداعين والمتحجرين، وخصوصا أولئك الذين يخفون أنفسهم وراء أستار الديمقراطية والدستور والواقع. يريدون أن نؤمن بواقع فاسد، وتحوّلات مأساوية، وأفكار انقسامية، إنهم لا يريدون التغيير ولا يريدون المصلحة الوطنية ولا يريدون حياة العصر. إن الطائفية عندهم أهم من كل الاعتبارات والقيم، وليذهب العالم إلى الجحيم. أصبح الوطن عندهم عملة عتيقة، يريدون تجديدها على مقاساتهم، الواقعية عندهم تخندق وانقسام وصراع، وتربّص بالآخر وإقصاؤه وتهميشه. والوطنية عندهم اغتراب، والقومية عندهم شوفينية، والحياة عندهم محاصصة، والديمقراطية عندهم توافق، والسلطة عندهم احتكار، والأحزاب عندهم أديان، والتغيير عندهم استحالة، والشعب عندهم مكونات من ملل ونحل، والأخلاق عندهم طقوس، والحوار عندهم سباب واتهامات وشتائم، والحداثة عندهم حرام، والثورة عندهم جريمة، وصناديق الانتخاب عندهم خنادق، والقتل عندهم شريعة، والفن عندهم رجس من عمل الشيطان، والقانون عندهم مجرد فتوى، والعلم عندهم تهريج، والفلسفة عندهم كفر وإلحاد.. فهل نصفق يا ترى لواقع كهذا، أم نقرأ معا ونعمل معا من أجل مدينة فاضلة، حلم بها العظماء؟ نشرت في البيان الاماراتية ، 9 مايس / ايار 2012 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيّار الجميل www.sayyaraljamil.com وايضا على الفيس بوك ( صفحات الدكتور سيّار الجميل ) .
|
|
| الى كل الاصدقاء الاعزاء |
| الثلاثاء 08/05/2012 |
تحياتي لكم جميعا .. سأعود اليكم على موقعنا بمقالات وافكار جديدة وآخر المنشورات .. دمتم بخير مع اسمى الامنيات سيّار الجميل |
|
|
| | | عراك ديكة وصراع ثيران |
| أ. د. سيّار الجَميل |
| الخميس 17/05/2012 |
يطيب لبعض الكتّاب العراقيين أن يسمّي ما يحدث اليوم في العراق بالتجربة (الديمقراطية)، ويبني عليها قصصاً، ويقارن بينها وبين تجارب ديمقراطية عراقية سبقتنا بعشرات السنين، وان زاد جنونه قرن نفسه بالتجارب الديمقراطية في العالم، ولكن لا قادة العراق يجيدون صنعة الديمقراطية، ولا الشعب يدرك معانيها! والحقيقة، ان تجربة العراق اليوم هي ميراث صعب جداً لمجتمع متنوع ومتقلّب وغير متجانس تاريخيا ولا طبقيا ولا مذهبيا ولا ثقافيا ولا جهويا .. وقع صريعاً بعد عصور سكونية بين احتلالين : بريطاني قبل قرابة مائة سنة، وأميركي قبل قرابة عشر سنوات.. وعاش بين الاحتلالين، مجتمع تفاقمت تناقضاته بشكل لا يمكن تخيّله، بحيث لا تستطيع ان تجد اليوم خمسة عراقيين فقط يتفقون على مبدأ واحد، أو فكرة واحدة، أو رأي واحد أو موقف واحد .. بعد ان وصلوا بأحزابهم الوطنية وتجمعاتهم المهنية والنقابية وتشكيلاتهم الثقافية والفنية ومعطياتهم الابداعية إلى ذروة العطاء في منتصف القرن الماضي. إن «المشكلة» الحقيقية ليست بمن يحكم العراق فقط، بل لأن الذين حكموه سابقاً أو لاحقاً، أو من تبعهم اليوم عراقيون من هذا المجتمع، ولم يتم استيرادهم من خارج الحدود، ولكن من الوضوح بمكان ان مجتمعهم غدا من الهشاشة والتشظي بمكان، بحيث بقي ملتئم الشمل بوجود حكومات فردية أو تسلطية أو دكتاتورية قاهرة كانت تمحقه بلا هوادة من حين إلى حين وهو صاغر يتقلب بينها ويردد شعاراتها .. واليوم، يعيش مشكلات لا حصر أو عدّ لها، وهي غير قابلة بحلول ساذجة، أو أفكار بليدة، أو معالجات سريعة وهو يدرك تجنياتها ، ولكنه قابل بها كونها تشبع رغباته السايكلوجية ومخيالاته واوهامه وحتى تناقضاته السقيمة بين مواريثهم الساذجة وبين حداثتهم المزيفة . المشكلة اليوم ليست سياسية فحسب، بل اجتماعية أيضاً، فالعراقيون لا يعانون من طائفية سياسية فقط، بل من انقسامية طائفية وعرقية اجتماعية لها تعصباتها غير المتخيّلة، وتبدو الأحقاد والكراهية واضحة في كل المعاملات، وكل الحوارات، وكل مرافق الحياة بين سنّة وشيعة، وبين عرب وكرد، وبين تركمان وكرد، وبين مسيحيين ومسلمين .. الخ. وخير من يعّبر عن مرآة ذلك الأحزاب السياسية والدينية وقادتها الذين وجدوا أنفسهم على رأس العراق لقيادة العراقيين فجأة، إن كل ما يحكونه عن الديمقراطية والدستورية والشفافية والقانون والحياة المدنية والحريات، كلام كاذب لا صحة له، فهم يحملون ميراثاً سيئاً جداً لمجتمع غير متجانس أبداً، كان مزيفاً على امتداد القرن العشرين، وقد طفت كل أدرانه على مياهه الآسنة اليوم، ويذهب ضحيته العقلاء من المتوازنين والمتنورين والمبدعين والمتحررين من طرف.. وذاك الرعاع الذي لا يفقه شيئاً من العراق إلا ما يملى عليه من طقوس عقيمة عند هذا أو شعارات جوفاء عند ذاك! ثمة دعاة أذكياء من العراقيين نادوا لانتشال العراق قبل سقوطه بيد الأميركيين أو من بعد ذاك السقوط إلى حيث التمدن والممارسات الحقيقية وتصفية التاريخ البشع لما مضى من تجارب مؤلمة من أجل خلاص المجتمع وترسيخ عقد اجتماعي تؤسسه مبادئ وطنية، وإلغاء كل ما يقسّم البلاد ويبعثرها ويجزئ المجتمع، ولكن الأحزاب الطائفية الشيعية والسنية والقومية الكردية اشتركت معاً تحت وصاية أميركية لتأسيس ما أسموه بـ «العراق الجديد» واتوا بثلة من القادة ليصنعوا منهم «زعماء» وقد اسقطوا من حسابهم كل القوى الوطنية والمدنية وكان المخلصون يتمنون ان تنشأ قوى مدنية سياسية نظيفة تحّل محل القوى الأحادية من البعثيين الراحلين الذين حكموا العراق بشراسة على امتداد أربعين سنة، ولكن دون جدوى.. كم نادى المخلصون بأن «الدستور» (الجديد)، يشكل فجيعة للعراقيين، فهو مشروع يسحق عراقيتهم، ويمزق بلادهم، ويخلق التناقضات في ما بينهم، ولكن مضت «المكونات الثلاثة: السنة والشيعة والأكراد» ــ كما أسموها ـــ بتنفيذ هذا الدستور ! لقد صفقوا للشراكة السياسية وهرجّوا للعملية التوافقية، وكأن العراقيين من أجناس قارية ثلاثة.. وبدا واضحاً أن عراكات الديكة قبل رحيل الأمريكان عندما كان يهرش احدهم الآخر منتفشاً ليدميه.. قد تحّول بعد رحيلهم إلى صراع ثيران بين هؤلاء " الزعماء " الذين ضحك احدهم على الآخر، وكذب احدهم على الآخر، وتنقّل احدهم من آخر لآخر، وتاجر احدهم بدم الآخر.. واتهم احدهم الآخر بأشنع التهم ثم يصافحه ويشاركه الوزارة والقيادة من واحد لآخر.. إذا كان مبدأ الثقة مفقوداً، فكيف ينطلق فن الممكن لقيادة العراقيين؟ إذا كان الشغل الشاغل هو تربّص هذا لسحق ذاك، فما الذي يمكن أن يقدمه هذا آو ذاك لأهل العراق؟ إذا كانت الجريمة مبررة لزعماء وقادة ووزراء ومستشارين لهذه الطائفة، فلماذا يتّم التشنيع بأمثالهم من طائفة أخرى؟ والأدهى من ذلك أن من يسمون أنفسهم بالمستقلين والمتمدنين وغير الطائفيين قد انقسموا بين الطرفين ؟ وهم ينسحقون يوما بعد آخر من قبل المتعصبيّن والمغالين والمجانين من الجانبين ! لو كانت المنافسة شريفة ضمن الأصول الديمقراطية لقلنا بأنه صراع شرفاء لمصلحة وطنية عليا، ولكن بدا لنا ان الصراعات شخصية وكيدية مختلقة مع ثيران يطلقونها قوية في الساحة ثم يهاجمونها ويغرقونها بالدماء حتى تسقط على الأرض! وهكذا، فإن جماعة تنحر أخرى لعوامل واهية، ضمن أجندة قميئة لا تخدم إلا الآخرين الذين يتربصون بالعراق وأهله. إنني لا استثني أحداً من هؤلاء الذين يتشدقون ليل نهار بالشعارات الوهمية وبديمقراطية العراق الجديد كونهم شاركوا بعملية سياسية غير وطنية أبداً، وأنهم بقدر ما عارضوا قمع النظام السابق واستبداده، فإنهم يمارسون أيضاً الأساليب نفسها في سحق البلاد ونهب أموال العباد، وهم يمارسون أبشع وسائل القتل والغدر وتفجير الناس الآمنين..وتسقيط المعارضين والمخالفين. لقد أثبت هؤلاء للعالم بأنهم من أغبى السياسيين في إدارة شؤون بلادهم، وأنهم لا يتمتعون بأي حس وطني، إذ ان لهم أولياتهم البديلة. إن العراق يتجه نحو المزيد من التمزق والتشظي إن بقي الزعماء ينحر واحدهم الآخر، وهم يشغلوننا بصراعاتهم تاركين مصالح العراقيين وراء ظهورهم! وكم العراق واهله بحاجة ماسة الى بدء تاريخ جديد وصنع جيل جديد وبناء عراق جديد نقدمه الى كل العالم ؟ نشرت في البيان الاماراتية ، 4 كانون الثاني / يناير 2012 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل www.sayyaraljamil.com
|
|
|
| | | إعلان |
الدكتور سيّار الجميل في كتاب جديد عنوانه : ( بقايا هيكل ) مكاشفات نقدية جديدة في إشكاليات محمد حسنين هيكل (وهو كتاب يتضمن تفكيك أحاديث هيكل على فضائية الجزيرة)

 |
|
| الرؤية الصامتة ازاء الثورات العربية |
| أ.د. سيّار الجَميل |
| الأربعاء 09/05/2012 |
عندما جرت الانقلابات العسكرية العربية إثر الحرب العالمية الثانية، استقبلها العرب استقبالا جماعيا، بعد أن سماها ضباطها الأحرار بـ"الثورات"، والتي أنتجت تحولات سلبية وإيجابية من مكان إلى آخر في البني الفكرية والسياسية العربية لخمسين سنة مضت، بل وكانت الملايين العربية تخرج عن بكرة أبيها كي تغرق الشوارع العربية وتبح حناجرها بالشعارات الوطنية والثورية، القومية والتقدمية، التي لم يتحقق منها شيء أبدا.. ولم يكن للإسلاميين عهد ذاك أي دور يذكر على مستوى الفعل الثوري أو الجماهيري، بل كانت التقدمية قد انحصرت باليساريين والديمقراطيين والتقدميين، وكانت "الوطنية" أسمى مبدأ يؤمن به الملايين.. اليوم، اختلفت الصورة تماما، فالقوى السياسية التي كانت بالأمس ضعفت كثيرا جراء هشاشة ايديولوجياتها، واستقوت القوى الدينية والطائفية التي غدت اليوم أقوى بكثير، سواء بتنظيماتها أو بعلاقاتها أو بأموالها أو بفرض أجندتها العاطفية والسايكلوجية على الناس. إن سر انقسام الرأي العام العربي إزاء الثورات العربية اليوم، يكمن في حالة الانشداد القصوى لشد الحبل بين بقايا جيل مضى من الوطنيين المتمدنين والليبراليين واليساريين والقوميين والتقدميين والمصفقين لحكم العسكريين، وبين جيل لاحق يتألف من الإخوانيين والجهاديين والسلفيين والأصوليين والطائفيين والتوفيقيين التلفيقيين لحكم الإسلاميين..وبين الاثنين، نخب لا تقوى على الحياة، تؤمن بأوطانها وتعمل من أجل الحرية والديمقراطية، وكل من هذين المفهومين كانا قد استلبا في الماضي والحاضر.. استلبهما جيل الانقلابات العسكرية، لا للعمل بهما، بل لرفعهما مجرد شعارات، اذ قام العسكريون بسحق إرادة الناس من خلالهما، واستلبهما اليوم جيل التحزبات الدينية والتشظيات الطائفية والتحالفات القبلية، لاستخدامهما مطية من أجل الوصول إلى السلطة وفرض الإرادة بقوة العواطف. وعليه، فإن كلا الطرفين لم يؤمنا أبدا بالحريات والديمقراطية. فهل تصح انتخابات تشريعية أو غيرها يشترك فيها من لا يؤمن أصلا بالديمقراطية؟ أو بالحريات السياسية؟ أو بالمدنية والتقدمية؟ لقد كانت شرارات الاحداث بمثابة مفاجئات قوية ، استمرت بالتلاقح يوما بعد يوم حتى تحقيق الاهداف التي نادت بها ، كما انها تواصلت ليس زمانيا حسب ، بل تلاقحت مكانيا من بلد عربي الى آخر على الرغم من تباين الاهداف الخاصة بكل بلد عربي ، مع تبلور عوامل جديدة ساعدت كثيرا في رسم ملامح كل حدث من الاحداث. قامت الثورات العربية أصلا ضد أنظمة سياسية عاتية، تعد بقايا أنظمة سياسية عسكرية اتخذت لها منذ بواكيرها صفة الدكتاتورية والاستبداد. ولكنها كانت من دون أية ركائز فكرية وايديولوجية كان قد سعى إليها مفكرون عرب أو رجال قانون، ولا حتى إصلاحيون حقيقيون.اليوم، عالمنا العربي منقسم على نفسه انقساما حادا، بين مؤيد للثورات وبين معارض لها، ولكل فريق أسبابه وموجباته، ولكنهما بعيدان كل البعد عن الواقع أولا، وكل طرف غير واع لتبدلات التاريخ ثانيا. ولقد وجدنا أنه ليست هناك أية لغة مشتركة اليوم تجمع كل المواقف من أجل مصالح وطنية، بل تغلب عليها كلها المنطلقات السياسية والعواطف الساخنة.. وهذا ما يعّرض الرأي العام إلى التشظي والتبدد، خصوصا إذا علمنا أن مجتمعاتنا تسبح في لجج خطيرة من التناقضات الخطيرة. إن اختلاف جيلين حول تقويم ما يجري على الأرض، يجعلنا نعيد النظر في الحالات الصعبة التي تمر بها الثورات العربية اليوم، والتي سيكون مصيرها مهددا وسط هذا الانقسام. وهو انقسام شرس جدا، لم يصب القيادات فقط، بل إنه يلاحق كل المواطنين، مما يفقدهم إجماعهم التاريخي لبناء المستقبل المنظور. المهم، أن العقل العربي معطل تماما منذ عقود طوال من السنين، وما كان يؤمن به ويعتقده الجيل السابق من أن الانقلابات العسكرية ستقلب الواقع رأسا على عقب، وستعمل، كما صدقوا مخيالهم الجمعي، على نقلة نوعية من التخلف إلى التقدم بين عشية وضحاها..لا يختلف كثيرا عن تفكير وتصورات الجيل الحالي اليوم، الذي يعتقد اعتقادا راسخا بأن الحياة بعد الثورات العربية ستنقل الواقع المأساوي إلى جنات عدن في لحظة تاريخية واحدة، وأن الديمقراطية والعدالة ستعمان مجتمعاتنا كلها في طرفة عين! إن أعظم خطيئة ارتكبها الحكام والمسؤولون العرب، هي إبقاء الشعوب ليست فاقدة لحرياتها السياسية فحسب، بل إبقائها متخلفة ومن دون أي وعي أو إدراك أو فهم يجعل باستطاعة المرء أن يقدّر الأمور حق قدرها، وغياب المنطق عنه جعله عرضة للتقلبات العاطفية والمزاجية بعيدا عن العقل. إجمالا، علينا أن ندرك أن لا حلول جوهرية إلا بالتخلص من التناقضات، فإذا كانت تناقضات ماضينا انقسامية جراء صراعات سياسية وايديولوجية، فإن تناقضاتنا اليوم أخطر بكثير من تناقضات الأمس جراء صراعات اجتماعية ودينية ومذهبية وطائفية وعرقية وجهوية وقبلية.. مطلوب رعاية الجيل الجديد وتخليصه ما أمكن من تشظيات هذا الواقع المرير، ومخلفات ما زرعه جيل الأمس، كي تعبّر الثورات العربية عن جوهرها الحقيقي، والذي لا يمكن أن يسطع إلا بالتغيير الحقيقي، من دون أية ترقيعات أو رواسب، ولا أية بقايا أو مخلفات ازبدها هوج العهود السابقة.. وستختفي التباينات المقيتة بعد تصفية كل ما حفلت به حياتنا من التناقضات المريرة. نشرت في البيان الاماراتية يوم 20 آذار / مارس 2012 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل sayyarjamil1@hotmail.com
|
|
|
|